By Faiza Rady
لم أكد أطالع النص الإنجليزي لهذا الكتاب حتى أدركت أهميته، وما إن تابعت العمل فيه مع صديقي الروائي والمترجم كامل العزب حتى تعلمت أشياء مهمة في قراءة التاريخ الإنساني ومحاولة فهمه على نحو أعمق.
تعلمت من خلال نموذج قصة حية، هي قصة حياة يوسف درويش، وليس من كتابات نظرية، أن التاريخ ليس حتمًا، أي لا يمكن توقع تطوراته باعتبارها “حتما”، وإنما أن نتواضع أمام تداخل العناصر الفاعلة فيه، ونقول في النهاية إن هناك احتمالات قوية، واحتمالات ضعيفة.
تعلمت ببساطة أن التوجهات أو الدوافع الجماعية ليست حاكمة بالضرورة في مآل الأحداث، وأن دور الفرد فاعلٌ بنسبة لا تقل أهمية عن التوجهات الجماعية لتشكيلات (أو شرائح وطبقات) المجتمع البشري في صناعة الأحداث وتغيير الواقع، لكن هذا الدور مرهون دائمًا بتبنيه لفكرة تغيير عظيمة، ولمهارات وأدوات تحقيقها، فيما عدا هذا… الفرد مجرد رقم في التاريخ.
تعلمت أن يوسف درويش -كما كتبته فايزة راضي- جدير بالاحترام والتقدير، ليس لأنه ابن أقلية دينية فقيرة وسط أغلبية مغايرة دينيًا، فاق انتماؤه للوطن غيره من الانتماءات، وظل مخلصًا لقيمه الجماعية في التكافل والتضامن ورفض الظلم، وهو أمر جدير بالاحترام والتقدير لا شك، بل لأنه أيضًا امتلك ناصية فكرة مثالية إنسانية عظيمة، وامتلك أدوات تفعيلها على أرض الواقع، والقدرة على التضحية من أجلها، وامتلك شجاعة الصمود، لمواصلة مشواره رغم كل الصعاب والمخاطر، التي طالت حياته نفسها.
تعلمت عن فرب أيضًا أن السياسيين في بلادنا، وهم يمارسون السياسة بتوازانتها –وانتهازيتها-يرتكبون أخطاء، بل و”حماقات” تظل آثارها ونتائجها الكارثية عميقة في بنية المجتمع لعقود من الزمن، وأن آفة المجموعات السياسية الأيديولوجية في كل العصور تقريبا هي إيمانها بامتلاك “حقيقة مطلقة”، وهو ما يبرر لها أحيانا تجاوز الأنساق الأخلاقية والقيم الإنسانية العليا..
أما صديقي وشريكي في ترجمة هذا الكتاب، كامل العزب، فقد شعر بالحزن –لأول مرة في حياته- لأنه انتهى من ترجمة الكتاب، فقد كان مستمتعا بالعمل فيه.. وكتب:
كانت رحلتى مع الكتاب فرصة ذهبية لإعادة اكتشاف أمور كنت أستشعرها بالحدس فقط، حكى الكتاب قصة وطن في الفترة مابين 1910 حتى نهاية ظاهرة الأحلام الوطنية بما يسمى بالتحرر الوطني الحقيقي، اطلعت في هدوء على أطراف اللعبة التي أحدثت ما نعيشه حاليا من تلك الفوضى العارمة التي لن تنتهى دون وقوع كارثة كبرى تعيد وضع الأمور في سياقها الطبيعي.
الكتاب الذي يحكى قصة شيوعي مصري يقدم تصويرا لعناصر أربعة أسمهت في صياغة التاريخ المصرى الحديث: يقدم الكتاب سردا للحكومات الليبرالية المتتالية التي عملت في ظل الملكية وفى ظل الاحتلال الانجليزى، كما يقدم سردا لتاريخ الإخوان المسلمين في الفترتين الملكية والجمهورية بما في ذلك وصف آلية عملهم وأسلوبهم في إدارة الصراعات، وبالطبع يقدم جمال عبد الناصر ونظامه، وبلا شك يحكى قصة الشيوعية والعمل العمالى المدعوم بالزخم الماركسي وصراعه مع كافة الأطراف، وذلك من خلال سرد سيرة رجل أيقونة هو اليهودى المصري “يوسف درويش” الذي رفض مغادرة مصر لأنه لم يعرف لنفسه وطنا غيرها.
فهمت كثيرا مما قيل في الكتاب، وشعرت أنني كنت واعيا بصورة فطرية لا تدعمها التجربة بالصيغة السرية التي سيرت الأمور في تلك المرحلة الصعبة من تاريخ العالم، ولما وثقت أحداث التاريخ المحكية في الكتاب ما كنت أعتقده، أصبحت أعرف أن الحقيقة الكاملة لا تبرىء أي طرف من الأطراف التي يتناولها الكتاب، سواء كانوا من الطائفة الشيوعية الماركسية الذين انتهى المطاف بمعظمهم بالتحول عن مبادئهم ومقايضة كل شيء مقابل أمانهم الشخصي ومقابل مكتسباتهم الأنانية، أما الذين وسموا أنفسهم بالإخوان المسلمين، طاردين كل من لم يكن منضويا تحت لواءهم عن حق التعايش، فهم أيضا كانوا ممن يتحالفون مع الأطراف جميعها (فيما عدا الكفار) لتحقيق أهدافهم، سواء كان ذلك قبل أو بعد اغتيال مرشدهم على يد القصر الملكى كما تقول الشهادات الكثيرة.
الوحيد الذي اتضحت صورته بشكل أفضل كان جمال عبد الناصر، وليس لى علاقة بما يسمى “نظام عبد الناصر”، فقد كان الرجل مطالبا بالتعامل مع طرفين، يتجه كل منهما إلى قبلة تقف في عكس اتجاه الآخر، عبد الناصر الذي أصبح عدوًا للجميع، لكنه فعل شيئًا ما لصالح هذا الشعب، الشعب الذي تحول هو الآخر خطوة خطوة إلى أن أصبح على الصورة التي تواجهنا في الشوارع كل لحظة.
كلما أجد في نفسى الرغبة في الكتابة، سأتحدث عن تفصيلة من تفاصيل هذا الكتاب التنويرى حقا، الذي يجعلنى أنا أيضًا أشعر بالفخر لأنني أنتمي إلى وطني: مصر.
أيمن شرف – كامل العزب
