Alturjman

Bad Mood

By Ehab Emam

“أيمن شرف” يكتب عن “إيهاب إمام”.. قلة مزاج!
قرأت كتابًا رشحه لي صديقي الفنان “عمرو عطوة”، استعدادًا لنشره، فصرت أنا ومؤلفه أصدقاء.
صدفة تدعو للبهجة، في ظل أشياء كثيرة نلقاها كل يوم تقريبًا، لا تدعونا أبدًا للبهجة.
قصاصات كان يكتب فيها “إيهاب إمام” ما يخطر على باله، ويضعها “على جنب”.
في أغلب الأحوال كانت تخطر لها فكرة للكتابة وهو في طريقه إلى مشوار أو موعد، فيتوقف ليكتبها، قد يتأخر عن موعده، لا يهم، المهم أن يتخلص من الفكرة على الورق.
جمع بعضها، وقرأها “عمرو”، فاقترح عليه أن ينشرها في كتاب، تشجع إيهاب وأضاف إليها قصاصات أخرى، وذهبت لأيمن شرف، وهي الآن (21 يناير 2026) في طريقها للقارئ.
نصوص متفرقة: قصص قصيرة، تأملات، نواة لمسرحية.. (أو شذرات على طريقة نيتشه).
عنوان مجموعة النصوص وعنوان أولها “قلة مزاج”.. حالة وجودية من “عدم الرضا”، أو “الرضا القهري” أو “السخرية من العجز” أو التأرجح بين ما نأمله وما نعيشه.
لغة حكي بسيطة، عامية متفلسفة، كأن كاتبها يحدث نفسه، أو يحاول الإمساك بأفكاره على الورق.. لا تجيب على أسئلة، أو تحاول أن تبعث برسالة إلى قارئ مفترض، بل هي في الغالب تطرح أسئلة، أو تدفع من يقرأها إلى التساؤل “ماذا أفعل في هذه الحياة؟”، أو بلغة إيهاب المباشرة تمامًا: “أنا بعمل إيه هنا؟”.
في القصة الأولى “قلة مزاج” محامي يدخل في مواجهة مع ضابط شرطة ووكيل نيابة، عنصر الممكن فيها هو “الاستعلاء بالمركز وبالمنطق الزائف”، أي شعور المحامي “عاصم” “بقوته الكامنة” قبل وقوع الأزمة – المواجهة.
المحامي مشهور، شخصية عامة تظهر في التليفزيون، يثق في مركزه الاجتماعي، ما يمنحه شعوراً بالحصانة، وبأن القانون أداة في يده وليس سيفاً على رقبته.
يطرح عاصم إمكانية فلسفية ترى أن الحشيش “مخدرات محترمة” وأن التعميم غلط، بل ويدعي أن وصوله لمركزه كان “بسبب الشرب”، هذه الطاقة الذهنية هي إمكانية التمرد على المألوف والعيش “بمزاج” خاص فوق القواعد.
وهو قادر على المناورة، يظن أن معرفته بثغرات القانون (الإمكانية المهنية) تجعله قادراً على ترويض أي موقف، حتى لو كان تلبسًا.
أما عنصر الواقع أو التحدي (وفقًا للمدرسة النقدية التي أتبعها في هذا التحليل) فهو “اصطدام المزاج بالمؤسسة”، والذي يتحقق في لحظة “الكمين”، حيث يخرج عاصم من فضاء سيارته الخاصة إلى فضاء “الدولة” العام.
بفعل عبثي يضع عاصم سيجارة الحشيش في الطفاية، ويظن أن “كلمتين” للضابط ستنهي الأمر. يصطدم بالواقع حين يرفض “الضابط الصغير” الانصياع لنجوميته.
ويتحول “الذكاء القانوني” إلى واقع مرير؛ فالضابط يطبق “روح النص”، ويؤدي تفتيش المحامي إلى “حالة تلبس كامل”.
بينما تدخل التكنولوجيا (الموبايل والفيس بوك) كعنصر واقعي يقلب الموازين؛ فما كان يمكن أن ينتهي “ودياً” أصبح “تريند” مشاعًا، مما حرم عاصم من القدرة على المناورة في الخفاء.
العنصر الثالث في القصة هو النتيجة التي تنتهي إليها الشخصية بعد الصدام، وهي تجسيد لعنوان الكتاب “قلة المزاج وضياع الهيبة”، حصانة المحامي تتبخر.
تنتهي القصة وعاصم “مرهق” في مكتب وكيل النيابة، يطلب سيجارة (مزاج) فيُقابل بالرفض (“ممنوع التدخين”)، يفقد السيطرة على “مزاج السهرة” وتتحول إلى “صداع قانوني”.
الكلمات التي قالها عاصم بتعالٍ (“وقفتك أهم من قلة مزاجي”)، أصبحت دليلًا ضده بتهمة الإساءة لرجال الأمن، وتحول “المحامي البارع” إلى “متهم مهان” ينتظر تحريات المباحث.
تنتهي المقايضة الخاسرة باعتراف عاصم بالهزيمة، وقبوله بأن يكون “حاجتين من تلاتة” (القهوة والمحضر بدون السيجارة)، هذه هي “النتيجة”؛ يدرك البطل أن الواقع أقوى من إمكانياته الفردية، وأن “المزاج” الذي حاول حمايته هو أول ما ضاع منه.
وهنا يمكنني القول أن قصة “قلة مزاج” الأولى في المجموعة، تعيد إنتاج القاسم المشترك لبقية القصص: إنسان يظن أنه يملك “المركز الاجتماعي” (كإمكانية)، فيصدمه “الكمين” (كواقعية)، لينتهي به الحال “مكسور المزاج” (كنتيجة)، الحوار الأخير لوكيل النيابة “ممنوع التدخين” هو الإغلاق الدرامي لفكرة “قلة المزاج”؛ حيث يتم حرمان البطل من أبسط أدوات عالمه الخاص في مواجهة جبروت المؤسسة.
**
القصة الثانية “دماغ FM” أقرب إلى مونولوج، و”الوعد” الذي تحمله المحطة الإذاعية المتخيلة يمثل الإمكانية: “طاقة تحرر الوعي والتغيير الكامنة”.
وتعبير “حلم ما بعد التحرير” رغم أنه تلاعب بمفارقة لغوية ساخرةٍ سخريةً مريرة (المحطة اللي بعد التحرير)، إلا أنه هنا هو القوة الدافعة لإعادة بناء الإنسان بعد الثورات أو التحولات الكبرى، هي “محطة تخاطب الشعب لتعيد ثقته بنفسه”.
تظهر إمكانية الوعي في الرغبة في “تضييق الفجوة” بين الواقع المتخلف (الجاموس المصري الأقل إنتاجية) وبين المأمول المتطور (الجاموس الخواجة الأكثر إنتاجية).
لكن المحطة لا تقدم حلولاً جاهزة، بل تقدم “إمكانية السؤال”، فهي تدعو المستمع ليكون “دماغًا” قادراً على التفكير والفرز، أي أنها تُعد ذهنه، أو طريقته في التفكير.
أما عنصر التحدي أو الواقع فهو “الفهلوة وأكل العيش كواقع معاش”، حيث “الفعل المصري” اليومي الشائع والصدام مع الموروثات السلوكية.
وتتحول الإمكانية الحالمة إلى واقع ساخر، عبر إنشاء “المجلس الأعلى للفهلوة” و”الحملة القومية لأكل العيش”، وهو الفعل الواقعي الذي يمارسه المجتمع فعلياً بعيداً عن الشعارات الرنانة.
الفعل الواقعي في القصة هو “التحايل” من أجل البقاء، وهو ما يسميه النص “الحل المصري اللي مش صح ولا غلط”.
أما النتيجة فهي الحالة الذهنية والمصيرية التي يتركها النص في المتلقي، وهي خلاصة تجربة “دماغ FM”، النتيجة ليست “تنوير العقول” بالمعنى التقليدي، بل هي الوصول إلى “أسئلة كتير وأنيل”، النتيجة هي دفع المستمع لمواجهة عبثية وجوده وسؤال: “بما إننا وصلنا لحد هنا.. ها تدوس لايك؟”.
النتيجة الساخرة هي القناعة بأننا “لا نبحث عن العالمية لأنها بتدور علينا”، وهي نتيجة تعكس نوعاً من الكبرياء الممزوج باليأس، وتنتهي القصة بالدماغ كبديل للبرنامج، باكتشاف أن بناء الهرم أو الوصول للمريخ ليس مشكلة إمكانيات مادية، بل هو نتيجة لـ “دماغ” تائهة بين العظمة التاريخية والواقع الهزلي. أي “النتيجة العكسية”.
الخلاصة أن القصة تبدأ بـ إمكانية طموحة (محطة ما بعد التحرير)، لكنها تصطدم بـ “واقعية مريرة ومضحكة” (الفهلوة وأكل العيش ولغة الشارع)، لتصل إلى نتيجة هي حالة “دماغ FM”؛ حالة من الوعي المشوش الذي يدرك حجم المأساة، لكنه يواجهها بالسخرية و”التهييس”، مما يرسخ مفهوم “قلة المزاج” كآلية دفاعية أخيرة.
**
القصة الثالثة “مؤتمر الخيانة” سريالية، شخص يوقع (مقالاته في الغالب) بتوقيع “المجنون” يتلقى دعوة لحضور مؤتمر يناقش قضية الخيانة الزوجية، فيجد نفسه وسط شخصيات من ماضيه وحاضره في صراع فكري عبثي.
تبرز “إمكانية القصة” في “الدعوة” ذاتها؛ ففكرة تنظيم مؤتمر لمناقشة الخيانة هي إمكانية لتحويل المسكوت عنه إلى منطق علني.. وتبرز الإمكانية في محاولة الشخصيات (مثل منال السويفي أو فوزية عابد) إيجاد منطق جديد للعلاقات الإنسانية خارج الأطر التقليدية، أو البحث عن “بداية جديدة”.
وتظهر في رغبة المنظمات (السيدات المتزوجات) في إيجاد “بداية جديدة” أو “علاج جذري” لمشكلة إنسانية معقدة، وهي طاقة كامنة تهدف للتغيير الأخلاقي.
وحضور البطل بصفته “المجنون” يمثل إمكانية وجود صوت صادق أو “ركن خبرة” يكسر زيف اللغة الرسمية للمؤتمرات.
وعنصر التحدي أو الواقع يتحقق في “المواجهة والشهادات”؛ الصدام بين وجهة نظر النساء اللاتي يطالبن بالمعاملة الحسنة، ووجهة نظر الرجال (مثل المحاسب والمهندس) الذين يبررون الخيانة كنزوة أو ضرورة.
يبرز الواقع القاسي عند ظهور “نجوى” (حب البطل القديم) التي تحول الخيانة إلى “بحث أكاديمي” مبني على خبرة عملية، مما يجرد المشاعر من قدسيتها ويحولها إلى “بيانات”.
ويتجسد العنصر الواقعي أيضًا في المشاجرة (ضرب زوج لزوجته) داخل المؤتمر، مما ينسف بروتوكولات الحوار ويعيد القضية إلى أصلها العنيف.
والنتيجة هي “تأكيد العبث”؛ فالمؤتمر الذي أراد “منع الخيانة” انتهى بفوضى وهرج.
وتنتهي الشخصيات إلى حالة من “التسليم بالواقع”؛ حيث يكتشف البطل أن العالم كله “مجنون” وأن وجوده في المؤتمر لم يغير شيئًا سوى أنه أعاد فتح جروح قديمة (سناء ونجوى).
النتيجة النهائية هي سؤال البطل عن “الغربة والجنون” في زمن تساوى فيه الصدق مع الجنون، مما يترك القارئ في حالة من اليأس الساخر من إمكانية الحلول الجماعية للمشاكل الفردية.
هذه قراءتي في ثلاث قصص من كتاب إيهاب إمام “قلة مزاج”.. باقي 13 قصة أخرى.. شكرا لإيهاب إمام ولعمرو عطوة الذي عرفني به، وتحياتي للقارئ الجاد، الذي لا يخشى من النصوص الجريئة..

أيمن شرف